مقالات
أوروبا الشرقية وقضية فلسطين... من رفاق سلاح إلى أصدقاء لتل أبيب
بينما يتصدر المشهد الأوروبي في الأشهر الأخيرة نقاشاً واسعاً بشأن الاعتراف بدولة فلسطين، تبدو دول أوروبا الشرقية والبلطيق، التي كانت حتى وقت قريب من أبرز الداعمين لحقوق الشعب الفلسطيني، وقد انقلبت على مواقفها السابقة وتراجعت إلى مواقع متحفّظة أو معارضة. يعكس هذا التحول تغيرات جيوسياسية عميقة شهدتها المنطقة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين، إذ تحوّلت أنظمة الحكم من اشتراكية إلى ليبرالية محافظة، ما انعكس مباشرة على توجهاتها الخارجية، وفي القلب منها القضية الفلسطينية.
حقبة الاشتراكية: تحالفات أيديولوجية وثورية
كانت غالبية دول ما يُعرف بـ"الكتلة الشرقية" حتّى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، مثل تشيكوسلوفاكيا، ألمانيا الشرقية، رومانيا، بولندا، بلغاريا، المجر، ويوغوسلافيا، من أكثر الحلفاء وفاء للقضية الفلسطينية. وقد تبنّت هذه الدول مواقف مناهضة للاحتلال الإسرائيلي، مستندة إلى سرديات التحرّر من الاستعمار ومناهضة الإمبريالية الغربية. ومن أبرز ملامح هذا الدعم:
- الاعتراف المبكر بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.
- تقديم الدعم العسكري والتدريب واللوجستيات للفصائل الفلسطينية.
- استضافة آلاف الطلبة الفلسطينيين في الجامعات والمعاهد العسكرية.
- التصويت باستمرار لصالح القرارات الأممية المؤيدة لفلسطين.
- افتتاح أول مكتب لمنظمة التحرير على الأراضي الأوروبية في برلين الشرقية عام 1973.
سقوط جدار برلين: التحوّل إلى الغرب وفلسطين إلى الهامش
مع انتهاء الحرب الباردة، بدأت دول أوروبا الشرقية مساراً سياسياً جديداً، تضمن الانخراط في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وتبني اقتصاد السوق وآليات الحكم الليبرالي. في هذا التحوّل، أعادت تلك الدول تحديد أولوياتها الخارجية، لتتحول إسرائيل من "رمز للاستعمار" إلى "شريك استراتيجي"، بينما تراجعت القضية الفلسطينية إلى الهامش، بل باتت محط تحفظ أو رفض، في بعض الحالات، وذلك على النحو التالي:
التشيك: من مورّد أسلحة للمقاومة إلى حليف لإسرائيل
كانت تشيكوسلوفاكيا السابقة من أبرز مورّدي السلاح للمقاومة الفلسطينية، لكن اليوم تُعد التشيك من أكثر الدول الأوروبية دعماً لإسرائيل. ففي عام 2017، افتتحت براغ مكتباً دبلوماسياً في القدس، متجاهلة موقف الاتحاد الأوروبي.
رغم التحولات، واصلت سلوفاكيا الاعتراف بفلسطين منذ عام 1988، وهو اعتراف سبق انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. وتحتضن براتيسلافا سفارة فلسطينية رسمية منذ عام 1988، وتؤكد اليوم دعمَ حل الدولتين وتطبيق القانون الدولي، مع لقاءات دبلوماسية منتظمة على مستوى رفيع مع الفلسطينيين، وتشدّد على ضرورة تطبيق القانون الدولي وتوفير المساعدات الإنسانية لغزة.
المجر: اصطفاف كامل مع اليمين الصهيوني
رغم وجود سفارة فلسطينية في بودابست منذ عام 1988، فإن حكومة فيكتور أوربان القومية اليمينية تتبنى سياسات أقرب إلى تل أبيب من أي دولة أوروبية أخرى. وتقف ضمن الكتلة الأوروبية المتحفظة والمعارضة لأي خطوة للاعتراف بدولة فلسطينية في الوقت الراهن.
تستخدم المجر حقّ الفيتو داخل الاتحاد الأوروبي لتعطيل أي بيان جماعي ينتقد إسرائيل. ونقلت بعثتها التجارية إلى القدس عام 2019، في خطوة رمزية أثارت انتقادات دولية، كما استقبل أوربان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو رسمياً في بودابست رغم صدور مذكرة توقيف بحقه من المحكمة الجنائية الدولية عام 2024، جرّاء الإبادة الجماعية في غزة.
تربط حكومة أوربان موقفها من فلسطين بملفات مثل الهجرة و"الإرهاب"، والدفاع عن "الهوية المسيحية لأوروبا"، في انسجام تام مع خطاب اليمين الإسرائيلي، بما يشمل مواقف متطرّفة تجاه القضية الفلسطينية والفلسطينيين والعرب عموماً.
بولندا: تحوّل أيديولوجي كامل
باتت وارسو اليوم تعتبر إسرائيل حليفاً في مواجهة "التطرف الإسلامي"، وفق خطاب قومي محافظ. ورغم العلاقات الدبلوماسية مع فلسطين، لا تظهر أي نية للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتعتمد خطاباً مشابهاً لليمين الأوروبي المتشدد.
رومانيا وبلغاريا: خطاب مزدوج وحياد رمزي
كانت رومانيا قبل سنوات قليلة قد فكرت في نقل سفارتها إلى القدس قبل أن تتراجع. تدعم الدولتان "حلّ الدولتين"، دون اتخاذ أي خطوات فعلية على مستوى الاعتراف أو الضغط السياسي.
البلطيق: من العقيدة السوفييتية إلى الواقعية والدبلوماسية الباردة
كانت دول البلطيق، خلال الحقبة السوفييتية، جزءاً من النظام الاشتراكي، وتبنّت المواقف الرسمية المناصرة للفلسطينيين جزءاً من الخطاب الأيديولوجي ضدّ الإمبريالية الغربية. لكن التحوّلات بعد السقوط السوفييتي أعادت تشكيل ذلك التوجه على نحوٍ عميق.
تحافظ على مكتب تمثيلي فلسطيني وتقدم مساعدات إنسانية، لكنّها امتنعت عن التصويت في الأمم المتحدة عام 2012 بشأن رفع مكانة فلسطين. موقفها الرسمي يربط الاعتراف بـ"الوقت المناسب".
تتبنى موقفاً حذراً يعتبر أن الاعتراف الأحادي لا يخدم السلام، وتفضل دعم مسار المفاوضات دون خطوات رمزية.
تُعد الأكثر انفتاحاً نسبياً، إذ صوّتت لصالح رفع مكانة فلسطين في الأمم المتحدة مؤخراً، لكنّها لم تُقدم على الاعتراف الرسمي، بانتظار توافق أوروبي أوسع.
تحولات يغيب عنها العرب
يكشف التحوّل الحاد في مواقف أوروبا الشرقية عن تراجع البعد الأيديولوجي لصالح براغماتية جديدة تخضع للمعايير الغربية، وعلى رأسها التحالف مع واشنطن وتل أبيب.
هذه الدول التي كانت تعتبر فلسطين رمزاً لحركة تحرّر عالمي، أعادت تعريف علاقاتها الخارجية وفق معايير السوق والأمن، والهويات القومية الجديدة التي تتقاطع مع إسرائيل أكثر من القضية الفلسطينية. ويمكن الاستنتاج بأن تبدل المواقف أدى إلى أن فلسطين والجانب العربي خسرا كتلة دبلوماسية داعمة كانت تمثّل ثقلاً في الأمم المتحدة والمحافل الدولية. وفي مقابل تراجع التأثير العربي، تقدمت حملات تشويه منظمة ضد العرب وفلسطين بدعم من لوبيات إسرائيلية داخل أوروبا الشرقية الجديدة.
في المحصلة، برغم أن بعض دول الغرب، مثل النرويج، السويد، إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا تعترف بفلسطين وتخطو أخرى بثبات نحو الاعتراف، فإن الدول الشرقية التي كانت يوماً نصيراً أساسياً لقضية فلسطين لم تعد صامتة فحسب، بل باتت في بعض الأحيان معطّلة لأي تحرّك جماعي داخل الاتحاد الأوروبي لصالح فلسطين.